محمد الريشهري

394

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

ويستفاد من المصادر التاريخيّة بأنّ هناك فئة كانت تعاضد عمر وتؤازره في موقفه ذاك . وهذا ما يدلّ على وجود جماعة ضغط كان لها حضور حتى في المجالس الخاصّة للرسول ( صلى الله عليه وآله ) بحيث إنّ الجدل واللغط اشتدّ ، وأصبحت كتابة الوصيّة غير ذات جدوى . والأدهى من كلّ ذلك هو أنّ البعض حاول إثبات صحّة عمل الخليفة ولكن على حساب الانتقاص من الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، فقالوا : " إنّه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره ؛ لأنّه خشي أن يكتب ( صلى الله عليه وآله ) أُموراً ربّما عجزوا عنها واستحقّوا العقوبة عليها ؛ لأنّها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها " ( 1 ) . فالرسول ( صلى الله عليه وآله ) يقول لهم : أُريد أن أكتب لكم شيئاً لا تضلّوا بعده أبداً ، وهؤلاء يقولون : إنّ كتابة الرسول توجب العقاب ، ومعارضة عمر له دليل على فقهه وفضله ودقيق نظره ! ! ونظراً لهذا التعارض الصريح بين رأي الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ورأي الخليفة الثاني ، كيف يمكن حينئذ تفسير هذه الإشادة بعمر ؟ ! والأعجب من ذلك هو التبرير الذي جاء به القاضي عيّاض لكلّ الواقعة ؛ إذ أنّه حرّفها عن صورتها الأصليّة ، وأوردها على نحو مقلوب ، بقوله : " أهَجَر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ هكذا هو في صحيح مسلم وغيره : أهَجَر ؟ على نحو الاستفهام ، وهو أصحّ من رواية من روى : هجر أو يهجر ؛ لأنّ هذا كلّه لا يصحّ منه ( صلى الله عليه وآله ) ؛ لأنّ معنى هجر : هذى . وإنّما جاء هذا من قائله استفهاماً للإنكار على من قال : لا تكتبوا ؛ أي لا تتركوا أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه ؛

--> ( 1 ) شرح صحيح مسلم للنووي : 11 / 99 هامش الحديث 1637 .